• ×

06:16 صباحًا , الثلاثاء 23 مايو 2017

معرض " وجوه " للفنانة ريما سلمون

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
نزار عثمان المدن - نزف قد يفاجأ المرء عند دخوله صالة تجليات – بيروت، حيث تقيم الفنانة ريما سلمون معرضها تحت عنوان "وجوه" بمنجز الفنانة السورية المعروفة، وذلك لخروجه عن السياق المعهود لمسيرتها الفنية الممتدة من العام 1987 سنة تخرجها من جامعة دمشق، ما يترك مظنة سؤال، أهو تطور أم محطة أرادتها الفنانة متميزة عن بقية أعمالها السابقة والتي عرضت في أكثر من بلد عربي وأجنبي.

عرف عن الفنانة ريما سلمون رسم الأجساد المكتملة وأحيانا الرؤوس بحالة من الاستيهام والذهول والذبول، وبنظرات حائرة تأبى أن تواجه القدر وتغض الطرف عن المتلقي لخجل فيها أو تجاهل او تمني لأمر غير متاح، بتعبيرية تنضح شفافية وألوان أقرب إلى الترابية. غير أن ما جرى صياغته في هذا المعرض هو مزيد من الإختزال والاختصار للأجساد والرؤوس والاستعاضة عنهم بالوجوه، وجوه تحمل عبث سنين من القهر، ترزح تحت وطأة السطوة، تكبت آلامها بتأودة وخفر، وتتمظهر وفق أمزجة متضاربة، يعلو بعضها الشحوب، ويتعملق بعضها الآخر بكبرياء بينما يرنو آخرون إلى لذة مخفية قوامها المازوخية في تأطير مقصود أرادته الفنانة تعبيرا عن الوجع السوري.

الواقع إن عدنا الى تاريخ التعبيرية لوجدناها قد انبثقت كصرخة بوجه الحرب والأزمات السياسية والاقتصادية التي ألمت بأوروبا أثر الحرب العالمية، وهذا ما أرادته الفنانة سلمون عبر وجوهها في حرص، ودون انفلات لوني سعيا لإظهار المأساة في واقعها المعاش وتحويل الفن إلى وسيلة للنقد الاجتماعي بوجوه تنحو باتجاه القنوط والاحتجاج اللاذع. فتجد بين لوحاتها ما هو مشغول بالحبر ينظر بنوع من السخرية إلى العنف الحاصل وكأنه يستعير من إميل زولا مقولته الشهيرة "إني أتهم". يبدو أن الفنانة سلمون لم تغادر التعبيرية في مسيرتها، فمن الأجساد المتكورة، والرؤوس المشرئبة، والعيون الزائغة إلى الأحبار في معرضها الحالي مسيرة اختصرت بمعالجاتها الالتزام بالانسان أولا وأخيرا، وإذ كانت في أعمالها السابقة تسلط الضوء على ما يشي بالمعاناة والالآم التي تحيط بالكائن المستوحد، ها هي تعيده وفق سياقات وصياغات مختلفة بعض الشيء بمزيد من النضج، والاختزال والاستعارات الرمزية في رغبة بالانعتاق وإرادة الحياة رغم المشقات.

لعل الفنانة بانتقالها من اللون الكثيف إلى الخطوط الشفافة أرادت إكساب منتجها الفني مزيدا من القيم التعبيرية وتحريره من قيود البناء التقليدية في عمارة اللوحة، فهي إذ تعالج معطيات تشكيلية بعينها تعمد إلى أضفاء نوع من الإيحائية المعبر عنها بالخطوط المتشابكة والضربات السريعة بالفرشاة التي تؤطر الأشكال العامة لشخوصها، ما يزيد أعمالها مزيدا من المضمون، ويلفت النظر إلى الماهية العامة غير التفصيلية للبناء في اللوحة.

هاجس الوجوه متحكم في أعمال سلمون بشفافية مستنيرة، فالخطوط تعبّر بعمق عن إحساسها كفنانة، ويعكس واقع مزاجها بعفوية مدروسة، فالوجوه فيها من التحشيد الدرامي ما يوحي بإنفجار داخلي في ذواتها، العيون المتقلبة والمتقابلة، والجوارح الأخرى تكاد من فيض ألمها وألقها ان تنطق، والفراغات في الخلفيات المتعددة يعبر عن نوع من الموازنة بين الثورة الحبرية التي تشكلت منها الشخوص، والسكينة التي تتخطى ما هو عارض في البناء لتنحت لها مكانا فيما هو أصيل.

يبقى في النهاية التساؤل المشروع، حول منجز الفنانة سلمون، هل ان نتاجها في هذا المعرض بوابة ومنطلق لمغامرات وتجارب لونية تشكيلية جديدة تغض فيه الطرف عن تاريخها التشكيلي الذي بنته، ام أنه استراحة ومحطة تعود فيه بعد ذاك إلى الكثافة اللونية والبناء المخضب بالالوان الترابية، الأيام القادمة والمعارض اللاحقة قد تحمل جوابا لهذا التساؤل. على أن "وجوه" الفنانة سلمون في معرضها لا تتعارض تعارضا تاما من حيث الفكرة مع أعمالها السابقة، بل لعله يصح ان نقول أنه اختلاف في الهيئة لا في المضمون، فالكل يمثل الفنانة، والكل ينضح بتعبيرية وقادة وفكر مميز.

يستمر المعرض إلى 30 تشرين الثاني في صالة تجليات - بيروت
بواسطة : nzzf
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 06:16 صباحًا الثلاثاء 23 مايو 2017.