• ×

11:47 صباحًا , الخميس 19 أكتوبر 2017

حديقة الصنائع للذكريات واللاجئين.. والسيوفي للعشاق

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
رنا قاروط - المدن - نزف ند انتهاء الحرب كانت حديقة الصنايع (22000 م2) بالنسبة إلينا، المساحة الوحيدة المتوافرة للعب. كنا ندور بالبيسكلات حول بركتها الفارغة دائماً من الماء، أو فيها عندما كنا أصغر سناً. وإن شعرنا بالجوع أو العطش، يشتري أهلنا كعكة بالزعتر أو عرنوس ذرة أو مشروباً غازياً من الباعة أصحاب العربات أو البسطات المنتشرين في الخارج. هم بضعة باعة، لكنهم تمركزوا في المكان وجعلوه لهم، فصاروا، بوجوههم التي ألفناها، جزءاً لا يتجزأ من الديكور العام.

أما الكبار، فكانوا يحتسون القهوة العربية بالهال، التي كانت تبيعها امرأة بشعر طويل، تحمل الإبريق النحاسي وتتجول بين أشجار الكينا والزنبق الأحمر والأصفر. تصب السائل الأسود الساخن بيد، في فناجين بلاستيكية، وتضع ما تتقاضاه في جيب الجينز. لم أكن قد رأيت في حياتي بائعة متجولة للقهوة، إلا في حديقة الصنايع. شكّل لي المشهد مفاجأةً نوعاً ما، لا تقلّ عن رؤية البركة للمرة الأولى مليئة بالماء. أدركت بعد فترة خلال مشاهدتي فيلماً مصرياً قديماً لفاتن حمامة ومحمود ياسين، أن الصخرة التي في وسط البركة ليست مجرد قطعة حجرية، بل هي نافورة. قادتني حشريتي لأعرف مزيداً عن هذا الفيلم عرفت أن فيلم "حبيبتي"، هو للمخرج هنري بركات، وقد صُوّر في لبنان في العام 1974، ويخبر قصة حبيبين مهاجرين أدمنا الإلتقاء في الحديقة، التي يبدأ الفيلم منها وينتهي فيها على أنغامٍ لالياس الرحباني.

شهدت الحديقة، في العام 1982،*أوّل حكم إعدام أقيم أمام الجمهور، في حقّ إبراهيم طرّاف، المتهم بقتل ماتيلد حلو وابنها مارسيل باحوط. لكن العملية، التي لا تقل وحشية عن الجرم، أثارت الرعب والسخط بين الناس، فكانت الأخيرة من نوعها.

650x366
يُلاحظ من يتردد إلى الصنايع أنها، عدا عن كونها للعائلات، مازالت تستقطب العمال المهاجرين، من سوريين وفليبينيات، يأتون إليها بحثاً عن شيء من الخضرة والظل، في مدينة تعامل "الأجنبي" بعنصرية.

تاريخياً، حديقة الصنايع عثمانية الطراز، اكتسبت تسميتها لقربها مما كان يعرف سابقاً بـ"مبنى الفنون الجميلة والصنائع"، الذي أسسه العثمانيون، ثم تحوّل، مع مرور الزمن، إلى كلية الحقوق التابعة للجامعة اللبنانية، ولاحقاً إلى مبنى المكتبة الوطنية. ثمة مستشفى كانت ملحقة بالمعهد أيضاً، هي نفسها تحوّلت إلى مقرّ وزارة الداخلية. يبدو إذاً أنّ الحديقة شكّلت جزءاً من مجمّع تعليمي وصحي ضخم.

في العام 1989 تغير إسم الحديقة إلى "حديقة رينيه معّوض"، بُعيد اغتياله في جوارها، في 22 تشرين الثاني من نفس العام، أي في يوم عيد الاستقلال، بعد أيامٍ قليلة من وصوله إلى سُدّة الرئاسة. ثمة لوحة كبيرة تُشير إلى الحادثة المأساوية عند مدخل الحديقة، لكن، رغم ذلك، بقيت تسمية الصنايع التسمية الشعبية المُتداولة.

650x366
أُغلقت الحديقة لسنوات عدة، إذ شرعت بلدية بيروت بدراسة مشروع لتحويلها مرأباً للسيارات. لكن المجتمع المدني جعل الموضوع واحداً من قضاياه، وتحرك في الشارع وبمؤازرة الصحافة، إلى أن إضطر المجلس البلدي إلى التخلي عن المشروع. ثم عملت إحدى الشركاتعلى ترميم الحديقة وتطويرها عبر زرعها وتشجيرها، ووضع لعب حديثة للأولاد واليافعين فيها، وفتح ممرات للركض ولسائقي الدراجات.

بلغت كلفة المشروع 2.5 مليون دولار، كما تعهدت الشركة المذكورة بتأمين العناية والصيانة الدائمة للحديقة خلال السنوات المقبلة، بالمبلغ نفسه، عندما أعيد افتتاحها في العام 2014. يُؤخذ اليوم على حديقة الصنايع غلبة الطابع البوليسي عليها، فلائحة الممنوعات الموضوعة طويلة، والمساحات العشبية مُحاطة بالشرائط للحؤول دون الاقتراب منها. بالإضافة إلى عيون الحراس التي تراقب الزوار بحشرية مبالغ فيها أحياناً.

السيوفي
تأتي حديقة السيوفي في المركز الثاني من حيث المساحة، من بعد حديقة الصنايع (20000 م2). ولا يرى زائر الحديقة، ذلك المشهد المكتظ الذي يراه في الصنايع، ولا الباعة حولها، فهي هادئة وادعة، تُشبه غابة مصغّرة، بتضاريسها الحادة، وممراتها اللولبية المحاطة بالنبتات البرّية.

تقع حديقة السيوفي على رأس تلّة الأشرفية، وفيها شلّال رقراق يسبح أحياناً قربه بعض البط. تشرف على جادة الرئيس إميل لحود ونهر بيروت، وتفتح آفاقاً واسعة للناظر نحو جبل لبنان. تُطل في واحدة من جهاتها، على محطة لقطار صدئ وموقف لأوتوبيسات قديمة، كتب عنها ياسر مروة *في ديوانه "حكت الورود" (دار الفارابي- 2007)، في قصيدة عنوَنها "حديقة السيوفي": وصلت إلى جنة تحكمها/ طوائف/ حبل على أوتوستراد/ الأشرفية/ سكة حديد/ عشب على حجر زفت/ خردة مكومة بشكل/ مقطورات/ تشهد أيامها زحمة/ وأزمة راكبيها/ جحاش الدولة دون محركات/ تعرّج على الحديقة/ تستريح في محطة السيوفي.

650x366
رغم أنها ليست حكراً على نوع معين من الروّاد، ويقصدها بانتظام سكان الجوار، خصوصاً كبار السن، إلا أن حديقة السيوفي تُعرف أيضاً بـ"حديقة العشاق". ربما يعود سبب هذه التسمية إلى عزلتها عن اكتظاظ المدينة، رغم وجودها في واحدة من أقدم أحياء الأشرفية، ولتوافر الزوايا الحميمية فيها. الألعاب فيها قديمة وصدئة، وتفتقد جزئياً إلى مقاييس الحفاظ على سلامة الأطفال. المقاعد الخشبية متفسخة وتكاد تتهاوى وتنتشر بعض القمامة في أرجائها، لكن هذا لا يجردها من طابعها الفني. فهندستها بسيطة وعريقة، كما تزينها عشر منحوتات لشباب لبنانيين، وُضعت بتنسيق مع جمعية "أشكال ألوان".

تلة الخياط
أما حديقة تلّة الخيّاط، التي تعتبر من أصغر الحدائق في بيروت (5000 م2)، فيجمعها مع حديقة الصنايع، أنها اكتسبت إسماً ثانياً لها بعد اغتيال مفتي الجمهورية الشيخ حسن خالد بالقرب منها، في 16 أيار 1989، قبل أشهرٍ من اغتيال رينيه معوض.

لا شيء مميزاً في هذه المساحة شبه اليابسة، والمكشوفة على الشارع العام بالكامل، سوى الصور العملاقة التي تعلق على جدرانها لـ"شهيد الاعتدال" (حسن خالد)، وبعضاً من أقواله في ذكرى اغتياله. هي مثل مبنى تلفزيون لبنان، الواقع على بُعد خطى منها، إذ يطلق عليها أيضاً اسم "جنينة التلفزيون". هي كما هو، بناء لا جدوى منه، سوى أنه صندوق يوضع داخله أرشيف المدينة التي يعيش الموت والإغتيال في شوارعها.
بواسطة : admin
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:47 صباحًا الخميس 19 أكتوبر 2017.