• ×

05:24 صباحًا , الخميس 17 يناير 2019

نزار قباني .. عاشق دمشق

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
نزف - محمد التهامى .

يقول: «لا أستطيع أن أكتبَ عن دمشق، دون أن يُعرِّشَ الياسمين على أصابعي. ‏

ولا أستطيع أن أنطقَ اسمها، دون أن يكتظَّ فمي بعصير المشمش، والرمان، والتوت، والسفرجلْ. ‏

ولا أستطيع أن أتذكّرها، دون أن تحطَّ على جدران ذاكرتي ألف حمامةٍِ .. وتطير ألف حمامة». ‏

تتوغَّل «دمشق» في لغة الشاعر، إلى حَدِّ أنَّ أبجديتها ليست إلا صورةً، تمثيلاً لكائنات المكان: ‏

«كلُّ حروف أبجديتي مُقتلعةٌ حجراً حجراً من بيوت دمشق ... وأسوار بساتينها، وفسيفساء جوامعها... ‏

قصائدي كلُّها معمّرة على الطراز الشامي .. ‏

كلُّ أَلِفٍ رسمتها على الورق هي مئذنةٌ دمشقية .. ‏

كلُّ ضَمةٍ مستديرة هي قبَّةٌ من قباب الشام .. ‏

كلُّ حاءٍ هي حمامةٌ بيضاء في صحن الجامع الأمويِّ ... ‏

كلُّ عينٍ هي عينُ ماء.. ‏

كلُّ شينٍ هي شجرةُ مشمشٍ مُزهرَة .. ‏

كلُّ سينٍ هي سنبلةُ قمحٍ .. ‏

كلٌّ ميمٍ هي امرأة دمشقية .. وما أكثر الميمات في دواوين شعري .. ‏

وهكذا تستوطن دمشق كتابتي، وتشكِّلُ جغرافيتها جزءاً من جغرافية أدبي ..» ‏


من مفكرة عاشق دمشقي

فـرشـت فـوق ثـراك الـطـاهــر الـهـدبــــا

فـيـا دمـشــق... لمــاذا نـبــدأ العــتــبـــــا؟

حبيبتي أنـت... فــاسـتـلـقـي كأغـنـيـــــةٍ

على ذراعي، ولا تستوضحي الـسـبــبـا

أنت الـنسـاء جـمـيـعـاً.. مـا من امــــرأةٍ

أحــببت بـعـدك.. إلا خـلـتـهـا كــــذبـــا

يا شــام، إن جـراحي لا ضــفــاف لـهـا

فمسحي عن جبيني الحـزن والتـعـبــا

وأرجـعـيني إلى أســــــوار مــدرســتــي

وأرجـعـي الحـبـر والـطـبشـور والكـتـبـا

تلك الــزواريب كم كــنـزٍ طـمـرت بها

وكــم تركت عـلـيـهـا ذكـريات صـــبــا

وكم رسـمـت على جـدرانـهـا صــوراً

وكــم كــســرت على أدراجها لعــبـا

أتيت من رحم الأحزان... يا وطــني

أقـبل الأرض والأبـواب والـشــهــبــا

حــبي هـنا.. وحـــبيباتي ولـــدن هـــنا

فـمـن يـعــيـد لي الـعـمـر الــذي ذهـبــا؟

أنــا قــبـيـلـة عــــشــاقٍ بكامـــلـــهــــــــا

ومن دموعي سقيت البحر والسحــبا

فكـل صــفــصــافـــةٍ حـولــتـهــا امـرأةً

و كـل مـئـذنـةٍ رصعـتـهــــــا ذهـــــــــبـــا

هـــذي الـبـسـاتـــين كانت بين أمـتـعـتي

لما ارتـحلـت عـن الـفـيـحـاء مـغـتـربــا

فلا قـمـيـص من الـقـمـصــان ألـبســـه

إلا وجـــــدت عـلى خـيـطـانــه عـنـبــا

كـم مـبـحــرٍ.. وهــمــوم الـبـر تسكنـه

وهـــاربٍ من قــضاء الحـب ما هـربا

يا شام، أيـن همـا عـيـنـا مــعــاويـــةٍ

وأيـن من زحـمـوا بالمـنـكـب الـشهـبـا

فلا خــيــول بني حـمــدان راقـصــــةٌ

زهــواً... ولا المـتنـبي مـالئٌ حلـبــــا

وقبـر خـالـد في حــمـصٍ نــلامــســـه

فـيرجف القـبـر من زواره غـضبـــــا

يا رب حـيٍ.. رخـام القبر مـسـكـنـــــه

ورب مـيتٍ.. عـلـى أقــدامـه انـتـصـبا

يا ابن الوليـد.. ألا سيـفٌ تؤجـــــره؟

فكل أسـيافـنا قد أصبـحــت خـشـبـــا

دمشـق، يا كنز أحلام،ي ومـروحــتي

أشكـو العروبة أم أشـكـو لك العربا؟

أدمــت سـياط حـزيـران ظـهــورهـم

فأدمنوها.. وباسوا كـف من ضـربـا

وطالـعـوا كـتب الـتـاريخ.. واقـتنعوا

متى الـبـنـادق كانت تـسـكـن الكـتبـا؟

ســقـــوا فـلـسـطــين أحـلامـاً ملـونـةً

وأطـعـمـوهـا سـخـيـف الـقول والخـطـبا

وخلفوا القدس فوق الوحـل عـــاريةً

تـبـيـح عزة ..... لمـن رغـــبــــــــــا..

هل من فلسطين مكـتـوبٌ يطـمـئـنـني

عـمـن كـتـبـت إلـيـه.. وهـو ما كـتـبـا؟

وعن بـسـاتين لـيـمـونٍ، وعـن حـلـمٍ

يزداد عـني ابـتـعـاداً.. كلـمـا اقـتربـا

أيا فلـسـطـين .. من يهديك زنـبـقـةً؟

ومن يـعـيد لك الـبـيـت الـذي خربـا؟

شردت فوق رصيف الدمع باحــــثةً

عــن الـحـنـان، ولكـن مـا وجدت أبـا..

تلــفــتـي ... تـجــديـنـا في مــبـاذلـنـا..

من يعبد الجنس، أو من يعـبد الذهـــبا

فــواحـــدٌ أعـمـت الـنـعـمـى بصـيرتـه

فانحنى وأعطى الغـواني كـل ما كسبا

وواحـــدٌ ببـحار الـنفــط مـغـتـســــــلٌ

قد ضاق بالخيش ثوباً فارتدى القصبا

وواحـدٌ نرجــسـيٌ في سريــرتــــــــــه

وواحدٌ مـن دم الأحرار قـد شــربــــا

إن كان من ذبحوا التاريخ هـم نسبي

على العصـور .. فإني أرفض النـسـبا

يا شام، يا شام، ما في جعبتي طربٌ

أستغفر الشـعر أن يستـجـدي الــطربا

ماذا سأقرأ مـن شـعـري ومـن أدبي؟

حـوافـر الخيل داست عـنـدنــا الأدبـا

وحـاصـرتنا .. وآذتنـا .. فـلا قــلــــمٌ

قال الحـقـيـقـة إلا اغـتـيل أو صلـبــا

يا من يـعـاتب مـذبوحــاً على دمـــه

ونــزف شــــريـانــه، مــا أســهـــل الـعـتـبـا

من جــرب الكي لا يـنـسـى مــواجـعــه

ومن رأى السم لا يشقى كمن شربا

حـبل الفـجيـعـة مـلـتفٌ عـلى عـنـقـــي

من ذا يعاتب مشنوقاً إذا اضـطـربــا؟

الــشـعر لـيـس حـمـامــاتٍ نــطـيـرهــــا

نحـو الـسماء، ولا نـايـاً.. وريح صـبـا

لكـنه غــضـبٌ طـــالــــت أظـــافــــــره

ما أجبن الشعر إن لم يركب الغـضبا
بواسطة : احمد سيد
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:24 صباحًا الخميس 17 يناير 2019.