• ×

07:33 مساءً , الثلاثاء 25 أبريل 2017

هوس الببغاوات

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
يبدأ الهوس لدى الغالبية من مراحل الطفولة ، اذكر في طفولتي كان الهوس مقترناً بشراء ألعاب جديدة واجهزة الكترونية، سرعان ما تطور الأمر للدخول في لعبة التنس والبلياردو والاشتراك بالنوادي الرياضية، وكنا نحن وزملائي ننظر لكثير من الامور أنها جانبية مثل الجوال والسيارة وكان أهم ما يميز مقتنياتنا وجود جهاز بلاي ستيشن وشاشة كبيرة و استريو وسماعات مضخمة للصوت في منازلنا لكي تصبح أجواء اللعب على الاجهزة الالكترونية متعة لا يضاهيها شيء.

دخل علينا الانترنت ودخلنا عالم التقنية من أوسع شاشاتها وتزاحمنا على شراء بطاقات الانترنت وبعضنا اصبح لديه خط DSL ينافس اصدقائه في سباق سرعة الوصول للعبه أو للمعلومة ، قد لا يصدقني أحد حين أقول أننا كنا نقلع بطائراتنا ونحلق حول العالم في لعبة انترنت جماعية كلٌ من منزله، والامر لا يختلف عن تكوين فريق كرة قدم من لاعبين افتراضيين ، تطور الهوس ولم يعد الانترنت ممتعاً لحين اكتشف احد اقاربي موقع امازون

بدء هذا القريب البعيد بشراء اجهزة غير متوفرة لحين وقعت عيناه على اعلان بيع ببغاء ، فقال في نفسه ولما لا يكون لدي ببغاء ونقل الفكرة الى رأسي ، ولعلها فرصة مناسبة أن اذكر أن اكثر الأفكار التي دخلت في رأسي كانت أفكاره التي لم يستطع أن يتبناها جيداً ، بدأت رحلة البحث في سوق الطيور عن افضل الببغاوات جمالا وذكاءً وكان في هذه اللحظة يقوم بشراء ببغاء ويكتشف أنه لا يتحدث فيقوم ببيعه وشراء ببغاء آخر وهكذا أصبح هاجسنا الوحيد شراء ببغاء وجعله يتكلم للحد الذي جعل والدي واخوتي يسخرون مني ويطلبون مني التوقف عن جلب ببغاوات الى المنزل ويحاولون اقناعي انها لم ولن تتحدث وان ما كنت اشاهده من ياسمينة وسندباد ليس سوى مجرد خيال كرتوني، استمر الامر على هذا المنوال الى أن التقينا بأحد اصدقائنا الذي صادف أنه يعرف مدرب ببغاوات أصبح قائدنا الروحي في هذه المهمة.

كنا نشتري الببغاوات ونفشل في تربيتها ونجتمع بمنزله ونتشاور في أمرها وما سبل الحياة التي سوف تجعلها تتكلم وهل الطعام مناسب وهل القفص مناسب وهل يتوجب أن نقص اجنحة هذا الببغاء وهل نقوم بترفيهه أم بتعذيبه لكي ينطق كلمه واحدة وكانت كل محاولاتنا تبوء بالفشل وبدأ الملل واضحا علي أنا وقريبي فما كان منه الا أن يقوم بالتخلص من آخر ببغاء اشتراه بوضعه لدي ليصبح ببغاء تجارب.

طالت فترة مكوث الببغاء ولم ينطق بكملة فطلب مني قريبي أن اجعله يخضع لدورة تدريبية لدى مدرب الببغاوات و ما كان مني الا ان استجيب لطلبه ، فذهبت اليه وانا كنت على وشك السفر من جدة الى الطائف واستضافني بمنزله الممتلئ بريش الببغاوات وكان لديه ضيف جديد ، اقصد ببغاء جديد ، لاحظت أن ببغاء المدرب ذو العشر سنوات يقوم بحمل الطعام بمنقاره ويحمله لدى ببغاء آخر منتوف الريش وحاله يرثى لها وكأنه غراب لا ببغاء ، وهذا الببغاء يرفض الطعام ولا يقوم بشيء سوى نتف ريشه وكأنه في عزاء يلطم ويمزق ملابسه ، فقام صديقي بفتح القفص لهذا الببغاء الدرباوي.

كنا نتحدث أنا وصديقي والببغاء يتسلق المسند ويسير نحوي بخطى متراقصة وانا اتحدث مع مستضيفي الى ان اقترب مني وقام بعضي في احد اصابعي فنظرت اليه فأشاح بوجهه وحين هممت بمتابعة حديثي مع صديقي انفجر الببغاء ضاحكا بسخرية ، قال صديقي أن صاحبة هذا الببغاء توفيت وعادة بموت صديق الببغاء يقوم بنتف ريشه الى أن يموت وأنه طالما تقبل شخصيتي فمن الأفضل أن احتفظ به الى أن يتعدى حالة العزاء والأزمات النفسية التي اصابته من فراق مربيته وما كان مني الا أن استجبت للموضوع وانصرفت للسفر الى الطائف ولكنني بمجرد وصولي الى مكة المكرمة اتصلت بالمدرب واخبرته انني لن اعيد له الببغاء.

بمجرد أن انطلقت بسيارتي ومررت من احدى التقاطعات كانت هناك سيارة مسرعة حاولت الارتطام بي ولكن لم ينبهني لها سوى صوت الببغاء وهو يقلد صوت منبه السيارة بطريقة جعلتني ابحث في المرآة الجانبية والخلفية والتفت يمينا ويساراً ولا اجد سوى الببغاء ، في البداية لم اتقبل الفكرة ولكن رن هاتفي وبدلاً من أن أجيب أنا على الاتصال بدأ هو يصرخ ويقول الو هلا مرحبا وأنا في دهشة من أمري فرفعت الهاتف واجبت على المتصل وبدأت أحادثه وافتح النافذة لكي اشعل سيجارة فما كان منه الا أن يقوم بتقليد صوت السعال ويلوح بقدمه اليمنى مثل الذي يحاول ابعاد الدخان عن وجهه وما كان مني الا ان انفجر ضاحكاً.

وصلت منزلي بالطائف ووضعت الببغاء في منتصف الصالة وذهبت للنوم ، عاد والدي تلك الليلة متأخراً من المنزل وحين حاول أن ستلقي لينام سمع صوت صرير الباب وهو يتحرك فقام ليشاهد من المستيقظ في هذه الساعة المتأخرة من الليل ولم يجد احدنا أنا وأخوتي ، فعاد ليستلقي مرة أخرى ولكنه هذه المرة سمع صوت احدهم يدخل المفتاح في الباب ويفتح القفل ويحاول الدخول ببطء مع صوت صرير الباب ، فقام مسرعاً ولم يجد أحد ، قام والدي بإغلاق كل الابواب وذهب ليستلقي ولكن المفاجئة كانت انه سمع صوت احدهم يطرق الباب وسمع صوت اخر يقول تفضلوا مرحبا حي الله الرجال ، فقام مسرعاً ولم يجد احد وهنا اتخذ والدي موقفاً فجلس بمنتصف الصالة ، فسمع صوت احدهم وهو يقوم بفتح حنفية الماء ويشرب من الكأس الى أن فرغت ويلقي بها في المجلى ، وحينها دخل والدي المطبخ ولم يجد أحد فسحب سكيناً وبدأ يتجول به في المنزل فما كان من الببغاء حين شاهد السكين بيد والدي الا أن يلوح بيده قائلا السلام عليكم باي باي ، اقترب والدي من الببغاء في دهشة والببغاء يمد قدمه اليمنى محاولا أن يصافح والدي ومرددا السلام عليكم باي باي ووالدي كاد أن يقطع رأسه ويلقي به بجوار سريري وأنا نائم ولكنه عوضاً عن ذلك قام بتغطيته بمنشفه وذهب للنوم.

في اليوم التالي كان بوسع المار من جوار منزلنا ان يسمع صوت الضحك ووالدي يسرد لنا قصته مع الببغاء، هذا الببغاء الذي اصبح اكثر من صديق اضعه على كتفي في كل جولاتي واستأنس به أنا واصدقائي ويسخر البعض بسببه مني ويناديني سيلفر هل وجدت الكنز ، في حين يردد احدهم الاخر خمسة عشر رجلا ماتوا من اجل صندوق، كان هذا الببغاء يجعلني افكر احيانا اذا ما كان يسكن بداخله عفريت فهو يردد أي كلمة يسمعها من المرة الثالثة ويغني طاش ما طاش اذا وجدنا مجتمعين على سفرة الطعام ويردد كلمات غريبه ومضحكه كان قد اعتاد سماعها في منزل آخر قبل منزلنا بل الادهى والأمر انني دخلت انا والببغاء الى محل بيع حيوانات ونست احدى القطط انها في قفص واندفعت تركض نحوه وارتطمت بالقفص وما كان من الببغاء الا ان قهقه ضحكاً ، حتى حين كان يشاهد عرضة في التلفزيون كان يقوم بسحب عصا الحبوب الخاص به ويرقص وكأنه يمسك بسيف خشبي صغير.

اتصل بي صديقي مدرب الببغاءات وطلب مني اعادة الببغاء وفشلت كل محاولاتي بإقناعه بعكس ذلك فقمت بشراء واحد جديد كان يحمل شهادة ميلاد وريشه آية من الجمال ولكنه كان مختلف الطباع تماما كان يخاف من الظلام ويختبئ بجواري ويرقص اذا شاهدني بعد غياب ويخرج لي من فمه قطعة صغيرة ويدعوني لمشاركة طعامه الخاص ويبدو ان عائلتي كلها اصابها هوس الببغاء فأصبحوا يدللون الببغاء الجديد الذي سيعوضهم لا محالة عن الببغاء السابق وبالفعل كبر الببغاء وكنت اظن انه سيأخذ مكانا في كرت العائلة فوالدي يطعمه الفلفل الاحمر ووالدتي تقدم له الماء واخوتي يقدمون له الفاكهة والبسكويت والحلوى وللحد الذي جعل منه سلطاناً.

لقد رد هذا الببغاء الجديد الجميل المعروف لوالدي ووالدتي حيث اراحهما من مهمة ايقاظنا للذهاب للمدارس والجامعات فكنا نسمع صوت والدتي وهي تقول قوموا الصلاة المدرسة وفجأة يتبعها صوت والدي صارخا فنستيقظ على عجل ، ولقد كان هذا الببغاء اكثر دلالاً للحد الذي جعل والدي يوصينا بأن لا نقوم ببيعه بعد وفاته لأنه سيذكرنا بصوته وتصرفاته وبالفعل توفي والدي رحمه الله وظل الببغاء يوقظنا كل صباح بصوت والدي ، حتى حين يسمعنا نتحدث عن والدي يقلد صوته وهو يموت ، الى ان قام احد الخدم بسرقته من المنزل .

لقد ظل اخواني واخواتي يبحثون عن الببغاء لفترة طويلة الى أن فقدوا الأمل في العثور عليه ولعل والدتي كانت اكثر حزناً منا جميعاً على فقدانه ، ربما لأنها شعرت انها فقدت صوت والدي مجدداً ، وما دفعني لكتابة هذه القصة هي معاناة احد الكتاب في اللينكد لفقدانه حيوان عزيز عليه ، ولا يعلم هذا الكاتب ان الحيوان العزيز علينا كاد أن يذكر في كرت العائلة وفي وصية والدي الذي قال رحمه الله ذات مرة ( المنزل الذي يوجد به عجوز وطفل وحيوان منزل به رحمه ).

بواسطة : محمد حلواني
 0  0
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:33 مساءً الثلاثاء 25 أبريل 2017.